الخميس، 30 سبتمبر، 2010

الجناس لأحبّ الناس


بقـــلم: مسعــود جــبارة

(1)

تحياتي الى من أحيا حياتي، موصولة بصلاتي، على شخْصٍ و إن من أنفُسكم، فقد خُصَّ بأن يكون من أنفَسِكم.

أُرْسِلَ على رِسْلٍ من الرُّسُل، أرسله من أوْجَدَكم و جَدّكم، إلى إنسِكم و جنِّكم. بان على كتفه الخاتَم، وكُرِّم بأن كان الخاتِم، فكان لله خادِمًا، و بالكَرَم فاق حاتمًا. وُفّق إلى ترْك الشَّرِّ و الشِّرْك، و فوق التوحيدِ التمسّك بالنُّسُك.

هناك من صدّقه، و ثمّت من صدَّ عنه. فكان ما كانْ، في ذاك المكانْ، إذ أُمِر بالجهر أمام المُنازل، ثم فجْرًا بهَجْر المَنازل، فجَـرّ له أعلى المَنازل. ترك الأرض، كي عنه يرضى. غادر و ما غدر، و دخل الغار، و مع الخِلّ صار. العنكبوت عنه دارى، و الحمام باض و دار، أو حام حوله و طار.

ثم حلّ و بات بالسّهل، ودُلّ عن البيت و الأهل. هَلّل الأنصارُ، و دانت له الأمصار: طلع البدر، و انشرح الصدر.

(2)

كما أرسل أحرّ سلامي، مع كل حرف من كلامي، في مناجاتي و خالص دعائي، من مهجتي من فؤادي من أمعائي، من صميم قلبي و عميق أحشائي؛ دعاء صالح الولد، بما يخطر على البال أو يدور بالخلد، و كما ورد في السّنّة: يا رب أدخل والدي الجنّة، يا من له الحمد و الفضل و الكرم و المنّة، أسألك أن يرِدَ أشرف الحياض، و أن تسكنه الفردوس من الرياض.

آمــــــــــــــــــــــيـــــــــــــــن

الأربعاء، 22 سبتمبر، 2010

رغم المطرقة و السندان، عاشت بنقردان !





بقــلم: مسعود جبـــــارة

أيها المحترمون من السيدات و السادة، سيسرد عليكم مصعب بن جبير سجوعه كالعادة، لكن هذه المرة من "الحمادة"، أو بين "الشهبانية" و "الورسنية"، أو من "الطابعي" الى "اسعيدان"، أو من غيرها من مناطق معتمدية بنقردان، المعروفة بتربية النوق و القعدان، و الواقعة على ساحل بحيرة "البيبان"، الممتد من "خوي الغدير"، الى "رأس الجدير".

لم يكن هناك لاصطياد أسماكها الشهيرة و الحيتان، و لا بحثا عن اللحوم الشهية للأرانب البرية أو الغزلان، بل ليرعى شويهات له و عنزات، و حيثما حل الليل في مكانه بات.

كان آمنا في سربه، سعيدا بعبادة ربه، مطمئنا الى صحبة كلبه، الذي لا يبسط ذراعيه إلا بقربه. يكد سعيا وراء الرزق كبقية الأنام، من طلوع الفجر و حتى ينام، في العراء أو تحت الخيام. هكذا كان حاله كل الأيام، سواء في الإفطار أم في الصيام.

كان لا يهتم إلا بإبله وأغنامه، لما رأى يوما في منامه، أن حُكْما صدر بإعدامه، و أن كلابا سودا، ظنّ لِوَهلة أنها أسودا، تهاجم القطيع، بعد أن حيّدت كلبه المطيع. فأطّت الشوارع بهم وحُقَّ لها أن تئط، و استشاط غضبا من أبدا لم يستشط. ولّى صاحبنا الفرار، و كمِنَ ينتظر القرار، الذي قد يتخذه الشعبُ، إذا لم يتملّكه الرعبُ.

جاعت في الزريبة النعاج، و قاق في القن الدجاج، و لم يتذكروا أن لهم قرونا و منقارا، و أنها ليست لتزيدهم هيبة و وقارا. كما ماء القط و عوى الكلب، لما كثر النهب و السلب.

لم ينفع ارتفاع الأصوات في فضح المقالب، و لا في تلبية المطالب، عندها فقط انتبه الجميع لدور الأنياب و المخالب، و أنها أنجع لصد السارق و السالب.

هاجت الدنيا و ماجت، كثرت الإشاعات و راجت. ارتفع اللغط، و ازداد السخَط، فهل سقطت ضحايا، و هل ارتكبت خطايا ؟ صمت الإعلام المباح، و انطفأ نور المصباح، فكان المفتاح، من الفضاء المتاح.
طُرد المهاجمون، و خَرس الواجمون، لكن بقيت في القلب لوعة، رغم أن التكاتف كان في منتهى الروعة. همس أحدهم في أذن مصعب، فانتفض من سباته انتفاض المنهك المتعب: لمَ تتجرأ علينا عصابة، و يفترسوننا كأنهم ذئاب في غابة؟ أتهاجمنا الخنازير و القردة، في شهر تصفد فيه المردة؟. كيف اجتمعوا عبر الحدود، لصفعنا على القفا و الخدود؟

الأحد، 19 سبتمبر، 2010

الأفكار في المجتمع، كالإبتكار في السلع


بقـــــــــلم: مسعود جبـــــــــارة

راودتني عن حريتي أفكار، سرعان ما زجرتها أذكار، غير أنها عادت بسرعة عاصفة، لامست عقلا و دغدغت عاطفة. أفكار لها قوة الأعاصير اللولبية، و تحوم حول رأسي على الطريقة الذبابية. إن طردت فرْدها، أتت بجيوش لا يمكن جردها.

بدأت أفكارا ضبابية، ثم تكثفت، و تلبدت، و هي تمر مر الغيوم السحابية، التي تستعصي على المحاكاة الحسابية.

عششت في رأسي و لم تخش بأسي. و لما تخمرت، و في ذهني تسمرت، ترى من خلالها يخرج الودق، ثم ينزل نصوصا على الورق، مع تصبب جبيني عرقا، و بعد أن أشبعتني ليالي أرقا.

قبل أن أتبنى الفكرة، كنت طليقا أي نكرة، مطلقا لست حرا، و هي تذيقني عذابا مرا. أما بعد أن ألبستني خاتمها، فقد أصبحت خادمها. إن سولت لي نفسي، أو طاشت الحكمة عن رأسي، فزاغت عيني الى غيرها، ذكرتني بوافر خيرها، و استقامة سيرها.

ثم إني لما باشرت الكتابة، أصبحت كمن ظللته السحابة، يُعرف من بعيد، و هو بمنظومة أفكاره سعيد. يركب البحار، كي يدعو لها الأنصار. أصبحت عنصرا في فضاء مجتمعي ثلاثي الأبعاد، ترى صورتي فيه بكل دوال الإسعاد. و حسب ديكارت فلي إحداثيات، اسقاطا على ثلاث مستويات، تأخذ بعين الإعتبار، و توسع درجة حرية الإختيار:

س: صلة رحم بالدم و الولادة

ص: و قرابة بالزواج و الوسادة

د: و أخوة في الله هي أيضا عبادة

كلها علاقات تتطور مع الزمن، و تزداد قوة و ارتباطا مع المحن.

فمتى يفهم العسكر، أو من قال بأن الدين أفيون مسكر، أن المجتمع يحتاج أيضا الى حرية رأي و فكر، كي يصبح له شأن و بين الأمم له ذكر.؟

ترجمة بعض المفردات:

الدالة(دوال)=Fonction

مستوي=Un plan

الإحداثيات: Les coordonnees س= x ص=y د=z

المحاكاة الرياضية=Modelisation; simulation

الأربعاء، 15 سبتمبر، 2010

سيرة و مسيرة: الحاج المحجوب جبارة، رحمه الله

كتـــبـــها ابـــنه : مسعــود جبـــــارة


سيرة و مسيرة:

الحاج المحجوب جبارة، رحمه الله

هو الحاج المحجوب ( (2010-1920 بن المبروك(1977-1891) بن عبد الله(1938-1856) بن امَحمد بن علي بن جبارة الخويلدي (و قيل الخليفي) التوزني الورغمّي وهو ابن غالية بنت عبدالله بن محمد بن عون الله الخويلدي.

ولد يوم 20مارس 1920 بموجب تصريح 1958 وحسب ضابط الحالة المدنية ببنقردان صلاح الدين السلامي. في منطقة بنقردان؛ من عمل ورغمّة، في الإمارة الحربية، بالجهات الجنوبية، للإيالة التونسية، تحت الحماية الفرنساوية.

و توفي مساء الإربعاء -التاسعة ليلا- الفاتح من سبتمبر 2010 الموافق للثاني و العشرون من رمضان 1431و دفن بمقبرة وادي السدر من معتمدية مدنين الجنوبية صباح الخميس، فبات أول ليلة في قبره ليلة الجمعة من العشر الأواخر؛ ثلث العتق من النار، رحمه الله رحمة واسعة و أسكنه الفردوس الأعلى.

نشأته:

نشأ و ترعرع المحجوب تحت رعاية والديه و محبة جده عبد الله وقد كان حفيده البكر. لم يكن له أعمام ذكور بل عمتان فقط. و بعد بضع سنين أصبحت له أخت "هناء" قبل أن يفترق والداه و هو لا يزال صبيا. فازداد عطف جده عليه و أكثر من الإعتناء به [1]

أجاد الفروسية و اشتهر في الجهة كأحد الفرسان الذين لا يشق لهم غبار في المضمار و كل ميادين و مناسبات اظهار الرجولة في مثل تلك البيئة البدوية كالمناوشات المسلحة بين القبائل أو الإستعراضات الإحتفالية في الأعراس.

عمل الى جانب والده في الرعي و تربية قطعان المواشي حتى كانت لهما قطعان كثيرة من الأغنام و المعز و الإبل كما عمل في الزراعات البعلية و فلاحة الأرض، فأصلحا المساحات الشاسعة بغراسة أشجار الزيتون و كروم التين لا تزال غاباتها في بنقردان و هيمان و وادي السدر شاهدة على براعة أصحابها في دقة التخطيط لها وشهيرة باستقامة سطورها و في كل الإتجاهات، تنافس في ذلك مثيلاتها في جرجيس و صفاقس و التي كانت لمستعمرين فرنسيين كبار يعرفون العلوم الهندسية الحديثة و يستعملون كل التقنيات العصرية.

جهاده ضد المستعمر الفرنسي:

كان المحجوب شاهد عيان في صباه على جرائم المستعمر الفرنسي الغاصب ثم و هو في ريعان الشباب حضر العمليات العسكرية في شمال إفريقيا (تونس و ليبيا) إبان الحرب العالمية الثانية (1945-1939) بين الحلفاء (بقيادة الجنرال الانجليزي مونتغومري) و المحور( الجنرال الالماني إيروين رومل)و التي دارت رحاها في مناطق الجنوب التونسي بعد تقهقر الألمان غربا إثر معركة العلمين بشرق ليبيا.

كانت لهذه البيئة الحربية و الإستعمار الفرنسي الغاشم الذي حكم مناطق الجنوب التونسي كمنطقة عسكرية و الإهانات المتعددة من قتل و اغتصاب و تنكيل و تشريد التي كان يتعرض لها الأهالي البسطاء من تلك الجيوش الأوروبية المختلفة والتي تتطاحن على أرض المسلمين، الأثر البالغ على حياة الناس عموما و على الشاب المحجوب خصوصا، فانخرط في سلك المقاومة التي أصبحت تتشكل بأسلحة بسيطة تفتكها أو يشتريها الأهالي، مبادلة بالخبز المحلي أو بيض الدجاج، من أفراد الجيوش الغربية.

التحق بخلايا الحزب الدستوري أول مرة سنة 1945. و تابع أخبار المجاهدين و خاصة الشهير الدغباجي ثم سرعان ما التحق بخلايا المقاومة بداية الخمسينات تحت إمرة المجاهد الشهير مصباح جربوع بجبال بني خداش،الذي أوكل له مهمة عمليات التمويل و الإمداد.[2]

شكّل سلسلة من العلاقات تمتد الى المناطق الغربية لليبيا -كامتداد قبلي طبيعي- تجمع المساهمات المالية و تؤمن إمداد المجاهدين بالذخيرة الحربية. كان له محل تحت الأرض شهير بهيمان من غابة مدنين بعيدا عن الطريق المعبدة يجمع ويخزن فيه ما أمكن استيراده من الأسلحة من المشرق أو مما تركت الجيوش الغربية المتقاتلة. كما كان المحل مركزا للقاءات التجنيد و التعبئة ضد المستعمر الفرنسي و محطة للملتحقين الجدد القادمين من قبائل و مناطق مختلفة ومشفى لاستراحة المرضى و الجرحى العائدين من القتال. شاهد أقاربه و جيرانه منه كل ذاك النشاط و تلك الحركية في دعم حركة الجهاد ضد المستعمر و المساهمة فيه، واستثار حماستهم، فيسّر إلتحاق العديد منهم و خاصة الشبان بصفوف المجاهدين في سنوات -1954-1953

فكان أن تسلل أكبرابنائه ذو الثمان سنوات ليلا طلبا للإلتحاق بالمجاهد مصباح جربوع...!!

و لما ظهر الإنشقاق داخل الحزب الدستوري في النصف الثاني لسنوات الخمسينات، ساندت أغلب المجموعات الجهادية الأمانة العامة و ظهر ما أصبح يعرف بالحركة اليوسفية التي سرعان ما اندحرت أمام بطش الرئيس الحبيب بورقيبة وانسحب أغلب رموزها الى القطر الليبي إثر صدور الأحكام المشددة ضدهم و تعدد ملاحقات النظام لهم، و منهم رفقاء دربه و أمناء سره (ارحيّم بن مصباح، محمد بن حسين الجرو..).

دعم نشأة الجيش الوطني و قاد الحملات التعريفية و ترغيب الشبان بالالتحاق به سنوات 1957- الى 1959.

العلم و العمل:

كان المحجوب محبا للعلم و العلماء، داعما لهم. و رغم أنه لم تتوفر له فرصة التعلم، فقد حرص مع والده أن يكون لأطفالهم معلما للعلوم الشرعية يستأجرونه سنويا ليقيم بينهم حيثما حلوا ويرحل معم أينما ذهبوا طلبا للرعي و الكلإ. كانوا يلقبونه المؤدب و يعلم الذكور و الإناث على حد سواء القرآن الكريم و بعض الأحكام الشرعية و يستفتونه في كل ما يستجد من أمورهم الحياتية؛ من المسائل الفقهية البسيطة الى الإستشارة في معاملات البيع و الشراء و العقود (المغارسة، المشاركة، أو النكاح و الطلاق) و يلتحق بدروسه كل من يرغب من الأقارب و الجيران.

و لما استقرت العائلة بوادي السدر في بداية الستينات من القرن العشرين، دفع المحجوب بجميع أبنائه لحفظ كتاب الله بالكتّاب التابع للمسحد القديم المسمى بالزاوية و الذي ربطته لاحقا بإمامها صداقة حميمة، ثم الحق من كان منهم في سن القبول بالمدرسة الإبتدائية المستحدثة سنة 1964 -1963.دعما لمجهود بناء مواطن العمران وتشجيعا للإستقرار.

و لما ترك النشاط الرعوي، أمتهن التجارة عبر الحدود التونسية الليبية ثم إفتتح سنة 1965 دكانا للمواد الغذائية في وادي السدر قبالة المدرسة الحكومية قبل أن يتركه مع زحف الموجة الإشتراكية للوزير أحمد بن صالح في نظام الرئيس بورقيبة المريض و الذي كان يفتك أملاك الناس تحت مسمى التعاضد سنوات 69-68-67 فعمل بعدها على قيادة جرار اشتراه مع صديقه المنصور بن محمد الجرو.

لم يرمنه والده سوى كل الطاعة و البر. و لاحظ عليه فطنة و حكمة، فقال فيه قصيدة يمدحه فيها و يدعو له؛ يقول مطلعها:

المحجوب فالح ياليتني قرّيته== يارب يربح هو و ينجحوا ذرّيته

مع بلوغه سن الستين تفرغ الى الشأن العام في تطوير القرية، فشكل مجلسا من الأعيان حوله الحزب الحاكم لاحقا الى خلية ثم شعبة دستورية. أهتم المجلس بدعم المدرسة فبنى بمجهود خاص من الأهالي المزيد من الأقسام و أحاطها بسياج، إضافة الى بناء دار لسكن المعلمين و المعلمات، و ناد للشباب، و ادخال خدمة الهاتف العمومي لأول مرة في القرية. كان لمجلس القرية مطالبات و مراسلات و مجهودات تذكر فتشكر في مطالبة السلط الجهوية لإيصال الكهرباء و مد شبكة المياه الصالحة للشرب للمواطنين، مجهودات لم تثمر إلا مع بداية التسعينات.

و كان الشرف الأهم، هو ترؤس المحجوب في بداية الثمانينات مجموعة من وجهاء القرية لبناء مسجدها الجامع، تخطيطا و تمويلا و تنفيذا، و يصبح قلبه معلقا به بقية عمره حيث كان يقضي أغلب يومه داخله في انتظار الصلاة بعد الصلاة، قبل أن يقعده الهرم على الفراش، و يتخلف منذ سنة 2004عن الحضور الى مكانه في الصف الأول أمام السارية. جاءه يومها صديقه الحميم الحاج علي بن خليفة يزوره و يستسمحه في الجلوس الى نفس العمود، فرأيتهما يذرفان الدموع في موقف نادر جدا.

قصد البقاع المقدسة للحج مرتين سنة 1979 وسنة 1986 ثم أفرد بالعمرة في رمضان من سنة 1998. اللهم تقبل منه و زد في حسناته و تجاوز عن سيئاته و الحقه بالصالحين، من النبيئين و الشهداء و الصديقين، يا رب العالمين، و حسن أولائك رفيقا.

إن القلب ليحزن، و إن العين لتدمع و إنا على فراقه لمحزونون. رحم الله الوالد العزيز و غفر له و جميع موتى المسلمين

[1] كتب له جده عبد الله عام 1936 صدقة تساوي ثلث املاكه من أراض زراعية في هيمان و وادي السدر و عقارات كالغرفة التي في قصور مدنين. و ترك الثلثين للمبروك والد المحجوب. الوثيقة هي عقد مسجل بمدنين. هذه الوصية لم تنفذ برغبة منه ترضية لوالده و اخوته الصغار.

[2] أنظر الوثيقة بذلك مختومة من المجاهد الكبير مصباح جربوع.

الثلاثاء، 27 أبريل، 2010

مقــــامة ثورة البركان

بقلم: مسعود جبارة

روى مصعب بن جبير، و ما ينبؤك مثل خبير: كنت في ذاك الزمان، طفلا ألعب و أمرح في أمان، ككل الغلمان، نحب من الفواكه الرمان، و نشتهي من اللحوم السمان، الى أن ثار البركان.
قررت ترك الأرض والوطن، و هجر من سكن و قطن، بعد أزمة حيرت الحليم و الفطن، و فتنتْ أخا الدين و البطن. بعد الرأي و الإستشارة، و صلاة الإستخارة، وجدت عزما أشد من الحجارة، أن أضرب في الأرض للتجارة، أو أطلب اللجوء و الإجارة، هروبا من الواقع المر، وحالما بالعالم الحر. تناولت الفطار، ثم ركبت القطار، قاصدا المطار، بعد أن لبست الجديد، و حملت ما يلزم البلد البعيد، و قد تعطرت بشيء من طيب، و ودعت كل حبيب، و طلبت العفو عن أي عمل مريب، من كل صديق و قريب. سألت الله في سفري البر و التقوى، و من العمل ما يرضى، و دعوته أن يطوي عني بعده، و أن لا يخطف بصري سنا برقه أو يصيبني رعده، و أن يحفظني من الإرهاب و توعده، باستهداف الجميع، الكافر منهم و المطيع، باسم البصير السميع.

حملت المتاع و الجواز، و الحدود عليّ أن أجتاز. سلمتهم الحقائب، و قلبي خوفا من فقدانها ذائب، ثم بدؤوا بالتفتيش، و قالوا امسك عن الحركة و التشويش، عند التصوير بالأشعة، للأبدان و الأمتعة، ليكشفوا المستور، فعل تنكره شريعة الله ولا يقره الدستور. مللت الوقوف، خلف الصفوف، فإذا واحد من مشاهير الفن أمامي، طُبعتْ له صورة و كأنه في بيت الإستحمام، ثم طَلبت منه الشرطية توقيعه، قبل أن تقبله لتوديعه.

حلقت بنا في السماء، بعد أن شعرنا بالخواء، في الدماغ و الأمعاء. ثم أزعجتنا بعض المطبات، التي منعتنا من تلذذ المرطبات. فجاؤوا بالعصير، و طمأنونا على المصير. كانت طريقنا معبدة، الى أن ظهرت أمامنا السحب الملبدة، كأنها رؤوس الشياطين، هاجمتنا كما اليهود على فلسطين.


سكنت كل المحركات، وسط بحر من الظلمات، و علت الأصوات، من أحياء كالأموات. لهم صراخ كمواء الهرة، و وجوه مكفهرة، ترى حتفها، عيانا رغم أنفها. في جزء من الدقيقة، كنا نغرق في هوة سحيقة، و نجهل السبب و الحقيقة. إذ لكل امرىء منا شأن يغنيه، عن أمه و أبيه، و صاحبته و بنيه. و فيما يشبه الخيال، و بعد أن نزلنا آلاف الأميال، اشتغلت ثانية المحركات، و طلب منا الهدوء و السكات، ليتصل القبطان بأقرب برج مراقبة، و يهبط بأمان لنفرح بحسن العاقبة.


هناك و من الأخبار، عرفنا سبب الظلمة و الغبار، علمنا أنه وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ ثار البركان، و نفث في الفضاء الرماد و الدخان. و رغم تنسيق قيادة الأركان، و التعاون بين كل البلدان، من أيسلندا شمالا الى جنوب السودان، فقد أعلنوا العجز، و الغوا الحجز. فشُلّت تماما حركة الطيران، بعد أن ران على القلوب ما ران.


قال مذيع، في برنامج بديع: في الصين زلزلت الأرض زلزالها، و في أيسلندا أخرجت رمادها و أثقالها، فهل يتوب الأنسان الى ربه الذي أوحى لها؟ طال الإنتظار، و الكل يتابع آخر الأخبار، عن الذي إحتل الفضاء، و ترك الجميع في العراء، في المطارات عالقا، يفرد بالرجاء خالقا، الموصوف بالقدرة و الرحمة و المهابة، عسى أن يقشع عن سمائنا السحابة.


تكدس في المطارات نفر، كل بينه و بين مأربه سفر، كل يروي مما يعيش من العذاب قطعة، و مع كل إعلان تأخير يتلقى منها صفعة.

فقال أحدهم: لم أحاكم لجرم ارتكبته، أو ذنب أصبته، أو عار جلبته، و لم أطارد لمال سلبته، أو صاحب دَيْن قلبته، إنما لظلم تفشى فغالبته، و هوى في النفس طارحني فغلبته، لما رأيت زبانية الشيطان، تتحكم في الأوطان، و تسخِّـر عصابة من الأشرار، ليشتبكوا مع ثلة من الأحرار. قال فركبت الليل، الى وادي الخيل، و في الظلام الحالك، بحثت عن أقوم المسالك، للولوج الى أقرب الممالك. رمت طوعا الإبعاد، ألا بعدا لقوم عاد. لم ينته بي التطواف، و لا زلت أجدّ في طلب الإسعاف، و الى من قد يستضيفني ابغي الإنصراف، لعلي استقر عنده في آخر المطاف.
و قال الثاني: بورك في مجلسكم، و طاب شربكم و أكلكم، و جمع الله في أوطانكم شملكم، و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم. لا يستوي أصحاب النار و أصحاب الجنة، و ليس البريء كذي الشبهة و المظنة. أما أنا فقد كنت مع أهلي في أول الليل الداجي، إذ طرق بابي الضيف المفاجي، و قال لي لقد اتعبني طريقي، فابلعني ريقي. فلما جلس و أوتي له بالشراب و الطعام، مرق مع لحم طير النعام، أظهر امتناع المحتشم، و أعرض إعراض البشم. كان يدير في كامل أرجاء البيت بصره، و ذهنه معي لا يحصره. و رغم الإلحاح، لم يقبل بالإفصاح. فسئت ظنا بامتناعه، و ازعجني سوء طباعه، فأغلظت له في الكلام، و بدأت السعه بسيل الملام. فرد بإنزعاج، وصوت النعاج، قال يا صاحب الثقة، لو توخيت الدقة، ارجع عما جال ببالك، و استمع الي لا أبا لك. فقلت كف عن الترهات، و لحجتك هات. غير أنه و في غفلة مني وثب اليّ، ليلقي القبض عليّ، و يكبّل يديّ. ثم يشرع باغتصاب ما وقع تحت سلطته، لكنه دفع في الحين ثمن غلطته، فقد فككت قيدي، و القيت على رأسه ما كان قرب يدي. فسقط مضرجا في دمائه، و لم يفق بعدها من إغمائه.

ففررت منهم لما خفتهم، و ارتعد كلما شفتهم. فأنا ابحث عن مدين قوم شعيب، الى أن غزا رأسي شيب، لعل أحدا من إبنته يزوجني، فيذهب عني ما يزعجني. ثم تنهّد، و شهّد، وقال: كل ما يلتصق اليوم ببالي، هو أن أدعو يوما أشبالي، للتحلي بمحاسن الأخلاق، و الحرص على باب الدار بالإغلاق.


ثم قام ثالث يعضنا، و قد عرف سيرة بعضنا، فقال: لي أبن أخ كنت أمونه، و أراعي شؤونه. فلما شبّ، والشعر في وجهه دبّ، لم يلتحق بالأبرار، ولا فضّل صحبة الأخيار. و مع أني كنت دوما أوصيه، و ربك أبدا لا تعصيه. لا تقترف جريرة، و لا تجترح كبيرة. فسيهلك من هلك عن بينة، و يحي من حي عن بينة، لكنه اتخذ في بلاد الغربة كلًّا، الذي أعطاه شربا و أكلا، يؤذي الاجسام و يفضي الى الأسقام. فنلت منه مقابل حسن الصنيع، الإيذاء والكفران الشنيع.

فهاتفته، و سافرت له وكاشفته، و قلت له لقد رعيناك فينا فطيما، و ربيناك بيننا يتيما، و لم نحجر عليك تعليما. فلم تفعل بنفسك ما تفعل، أنظر لصدرك و أنت تسعل، واهتم بصحتك وبنفسك، و عن الموبقات أمسك، و تطلع الى غدك لا لأمسك. فرام الإصلاح، لما خاف الإفتضاح، فتبتُ من اتهامه، و ثبتُ الى اكرامه.

تدبرنا الحديث و معانيه، و عرفنا كل واحد و ما يعانيه، بركان بداخله يخفيه، إذا أفصح و فتح فيه، سيل من الحمم لا يضاهيه، لأن ما في الصدور، يغلي غلي القدور. و يوم تنفجر، يطلع الفجر.


فبركانهم لسماء قارة غم، و بركاننا للشباب أرغم، على ركوب الأهوال، أبحثا عن أموال، أم فرارا من سوء أحوال. لكن من يحمي من الذوبان و الانحراف، و الميل الى الاسراف، أو حتى الإنصراف، الى العيش مع الخراف.؟

الأحد، 21 مارس، 2010

غــيرة و حــيرة من إعــجاز الجــهاز

مقــامة بقلم: مســـعود جـبـــارة
روى مصعب بن جبير، قال:
اشتكت من تحول اهتمامي الى التأليف، وأني بدأت أتقاعس عن النهوض بالتكليف، بالطبخ و بالتنظيف، بل وأمعنت في رفض الأوامر، و التوقف عن إسماعها كلمة حاضر، ثم التمرد عن غسل الصحون، مذ أصبت بهوس الكتابة الممحون، و أني من أمام الجهاز لا أقوم، و عن الحديث معها أنا أصوم.
قالت أنت لم تعد تعتني بالأولاد، فلذات الأكباد، و لا تسأل عن الأعداد، ولم تعد تراجع معهم الدروس، بل و تهدم كل ما سبق من الإتفاقات و لها تدوس، فارجع هداك الله الى الواقع، و قم بالعمل النافع.
ماذا أفعل؟ أنا متحيّر، إذا العالم كله بسرعة يتغيّر، و أي بديل عن جهازي أتخير؟ به مع الأصدقاء أتواصل، و أي معلومة هي عبره من حصول الحاصل، مدعمة بالصورة و النص مع النقطة و الفاصل.
ألا يمكنكم بالصوت و الصورة، أن تتابعوا الأخبار والمحاضرات أو مقابلات الكرة، و أن تضيفوا تعليقكم، على مقال لصديقكم. و إن فضلتم الرد بالوجوم، بدل شن الهجوم، فيكفيكم الضغط على أيقونة، في الجهاز مسبقا محفوظة مصونة، فلكم أن تعبّروا بالتقاسيم، إما بوجه باسم وسيم، أو بآخر له قرين، مقطب و حزين، دلالة عن الرفض، و لرأيه بالتحقير و الخفض.

ألا ترون أن جهازي يشجع المواهب، وهو لكل التسهيلات واهب. لقد انهى عهد الكتب الثقيلة، التي لم يجد لها الجاحظ أي حيلة، فكانت لوفاته سببا و وسيلة. فسارعوا بربطه بالشبكة، و ارفعوا السرعة وأتقنوا الحبكة، لأنه من أراد لقضيته النصر، فعليه بأداة العصر .
أني محتار، ماذا أختار؟ فهل أطلقها لأبقى في الفضاء الإفتراضي أحلق و أجوب، أم أطلَّق الإعلامية فيفارقني هذا الحاسوب؟ أتكمن فيّ أم فيه العيوب؟ و هل هو يصْدُقني أم هو كذوب؟ إني أحترق، إني أكاد أذوب!