الاثنين، 16 يونيو، 2014

بين فلسطين الثورة الدائمة، وتونس الثورة الحالمة: من أسس لنهج المفاوضات والمساومة، مقابل التغيير بالجهاد والمقاومة؟.



بقلم : مسعود جبارة،
مهندس مقيم بقطر
15/05/2014


(1)
كانت الساحة السياسية التونسية حتى فترة قصيرة تتوزع بين أحزاب الأغلبية الممثلة في ترويكا تحكم وبين جبهة أحزاب صفرية تعارض حسب ما افرزته رغبة شعبية جاءت بها صناديق الاقتراع في أول انتخابات شفافة نزيهة وديموقراطية منذ أكتوبر ٢٠١١.
بعد هذا الاصطفاف الطبيعي والمنطقي ديموقراطيا، و تحت عنوان إنجاح المرحلة الانتقالية، أصبحنا هذه الأيام، وبقدرة وتدخل قوى داخلية وخارجية، أمام فسطاطين:
الأول مال إلى التسويات والتنازلات المتتالية وانخرط في عمليات التفاوض والترضيات لفلول الثورة المضادة والتي لم تقتصر على مسائل جلدية بل نهشت من لحم الثورة حتى وصلت إلى عظام الجرحى والشهداء. ولم يقتصر هذا المسار عند تبرئة رموز الفساد والاستبداد بل الأيام القادمة حبلى بصكوك الغفران بعد تكرر المغازلات وتبادل القبلات. أُطلِق هذا النهج من لقاء باريس الشهير وتدعم لاحقا في جولات الجزائر وارتداداتها في فنادق تونس.
وفي الصف المقابل وكردة فعل على عودة الفلول والأزلام، نزعت مجموعات من فصائل مختلفة إلى رفض هذا النهج الانبطاحي وبدأت تظهر إلى العلن مواقف متجذرة تدعو إلى الانحياز إلى صف الثورة والدفع نحو استكمال تحقيق أهدافها.



فهل يذكّر هذا الاصطفاف الذي بدأ بالتشكل في تونس بالمسار الذي طبع القضية الفلسطينية في العشريتين الأخيرتين؟ وهل تستنسخ المراحل الانتقالية في تونس الخيارات العربية ما بعد سقوط جدار برلين وبروز القطب الواحد؟
أم أن ظهور جماعة أسلو للتسوية والمفاوضات المباشرة - وما نتج عنها من سلطة رضي عنها العدو ولم يرض عنها الصديق تحكم بإرادة غيرها إلى أن خرجت عليها قوى المقاومة والجهاد الرافضة لانخراط الثورة الفلسطينية في نهج أسلوـ لم يكن ليكون لولا انتقال المنظمة الى تونس وتأثرها بثقافتها ومزاجها السياسي؟
وما مدى تشابه النهج العباسي في الحالتين وهل أن المصير العرفاتي هو مآل حتمي للزعامات التونسية؟


(2)

الثابت أن محبة الشعب التونسي لفلسطين لا حدود لها وأن دعمه غير مشروط ويبدو أن تبنيه للقضية الفلسطينية وصل إلى حدّ توطين أسلوبها واستنساخ نهجها في معالجة مشاكله وإدارة شأنه الداخلي. تشعبت القضية الفلسطينية وبلغت تأثيراتها وتداعياتها الساحات الاقليمية والدولية إلى أن أصبحت يوما تسمى قضية الشرق الأوسط.
جاءت منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس بعد حصار بيروت، في ثمانينات القرن الماضي، واستقرت قياداتها في الأحواز الراقية للعاصمة التونسية. وتفاعلت مع نخبها وتأثرت بمناخها الثقافي المنفتح كان من نتائجه أن طلّقت النهج الثوري العنيف وانخرطت في مفاوضات مع العدو الصهيوني بدأت سرا في أسلو العاصمة النرويجية بوساطتها ومباركة من الأنظمة العربية وبرعاية دولية. رغم أن العدو ما فتئ يلاحق قوى الثورة الفلسطينية بالحملات العسكرية واغتيال القيادات السياسية والميدانية داخل الأرض المحتلة كما في كل مكان ومنها الغارة الجوية على تونس حمام الشط والهجوم البحري واغتيال أبو جهاد في إقامته بضاحية قرطاج.
  انتجت تلك المفاوضات طبقة سياسية سميت بجماعة اسلو سيطرت على منظمة التحرير وازاحت كل الثوريين من طريقها ولم  يستثن من ذلك قائدها التاريخي الزعيم عرفات ولاتزال تمسك بتلابيب سلطة لا تحكم بشرعية شعبها بل بمدى تنازلها عن ثوابتها وبقدر تعاونها مع الاحتلال ضد المقاومة وإرضاء العدو ومن يدعمه من القوى الدولية. 
أما النخب التونسية بمختلف أطيافها الفكرية وألوانها الثقافية والسياسية فقد تفرقت شيعا مع شدة وطأة الاستبداد والفساد في الربع قرن الاخير الذي سبق انتصار ثورة الحرية والكرامة، تفرقت بين الداخل والشتات،  بين غياهب دهاليز التعذيب والقهر السياسي والاجتماعي أو الركون إلى الطاغية والتقرب منه والانخراط في منظومته والتسبيح بحمده في وطن أصبح سجنا كبيرا للجميع.  وبين الاضطرار إلى الهروب للخارج واللجوء إلى المنافي والمهاجر في الشرق والغرب حيث التقت مرة أخرى بالمعارضات العربية ومنها بعض الفصائل والقيادات الفلسطينية المقيمة في أهم عواصمه. ارتبطت العلاقات مرة أخرى بين النخب التونسية والفلسطينية وتقاربت الرؤى وتشابكت المصالح وتمظهرت في أشكال متعددة من التعاون وتجسدت أحيانا في مشاريع فكرية واقتصادية مشتركة.



(3)
تونسيا، يسوّق فريق الحوار بقيادة عباسية لمنهجه المطبع مع الازلام والفلول والثورة المضادة بأن كل تنازلاته هي بحث عن وفاق لصالح الوطن وسلمه الإجتماعي وأمن المواطن وأن كل شيء يهون في سبيله وأن التوافق لا مناص منه ليس للحاضر الانتقالي فقط وإنما لما بعد الانتخابات القادمة كذلك. كما يبررون نهجهم الاصلاحي التصالحي بأن سبيل الحوار والتوافق هو لقطع الطريق أمام الثورة المضادة غير أن المعارضين لهذا التوجه يقولون أنه عمليا يصب، وإن بطريقة ناعمة، في نفس المآلات والتي منها الانقلاب على الثورة وأهدافها بعودة رموز التجمع المنحل باسمائهم وممارساتهم، يغيضون ضحاياهم ويستعيدون مواقعهم، عودة إلى الشأن العام من دون محاكمة عادلة تؤدي إلى ارجاع الحقوق إلى أهلها وتشفي صدور الضحايا وعائلاتهم، عودة دون اعتذار لن تنتهي بالصفح ولا المصالحة.

ويتهم فسطاط المقاومة فريق الحوار والمفاوضات بقبوله لمثل هذه العودة بل وتسهيله لها عبر رفض قانون العزل السياسي وتحصين الثورة والمماطلة في تقديم مشروع العدالة الانتقالية للمصادقة عليه وتفعيله. ويبدي استغرابا وتساؤلا لم الجري وراء انتخابات محتملة وهل تستحق كل هذه التضحيات إذا كانت في النهاية لا تؤدي إلى احترام إرادة الشعب أو خيانتها كما في الانتخابات السابقة. ويتأكد هذا الرأي بما أن النية، التي تؤيدها بعض التصريحات للقيادات، بدأت تتجه إلى أن يقوم الوضع الدائم أيضا على أساس توافق عريض يشمل الفلول وبقايا التجمع الدستوري المنحل ولا ينبني على نتائج الصناديق ؟
 
لقد نجح مسار التهدئة والحوار تحت القيادة العباسية في الحالتين التونسية والفلسطينية  في ابقاء الوضع دون هزات كبيرة لكن هل توصل خارطة الطريق التونسية إلى أهداف ثورية واضحة في زمن محدد أم أن معالمها تتشابه وتتكرر كل يوم إلى حد الملل الذي بدوره يؤدي إما إلى الاستقالة من الشأن العام  والعزوف والاستكانة  أو اليأس الذي يقود إلى نهاية مأساوية لا تستطيع تجنيب الزعامات التونسية مصيرعرفات ؟



الثورة تفاعل متعدد الأبعاد والاتجاهات، وأهم خصائصها الحسم السريع لتحقق أغراضها، أما الاصلاح في وضع الانبطاح فخيط ممتد لا أفق له.