الاثنين، 16 يونيو 2014

بين فلسطين الثورة الدائمة، وتونس الثورة الحالمة: من أسس لنهج المفاوضات والمساومة، مقابل التغيير بالجهاد والمقاومة؟.



بقلم : مسعود جبارة،
مهندس مقيم بقطر
15/05/2014


(1)
كانت الساحة السياسية التونسية حتى فترة قصيرة تتوزع بين أحزاب الأغلبية الممثلة في ترويكا تحكم وبين جبهة أحزاب صفرية تعارض حسب ما افرزته رغبة شعبية جاءت بها صناديق الاقتراع في أول انتخابات شفافة نزيهة وديموقراطية منذ أكتوبر ٢٠١١.
بعد هذا الاصطفاف الطبيعي والمنطقي ديموقراطيا، و تحت عنوان إنجاح المرحلة الانتقالية، أصبحنا هذه الأيام، وبقدرة وتدخل قوى داخلية وخارجية، أمام فسطاطين:
الأول مال إلى التسويات والتنازلات المتتالية وانخرط في عمليات التفاوض والترضيات لفلول الثورة المضادة والتي لم تقتصر على مسائل جلدية بل نهشت من لحم الثورة حتى وصلت إلى عظام الجرحى والشهداء. ولم يقتصر هذا المسار عند تبرئة رموز الفساد والاستبداد بل الأيام القادمة حبلى بصكوك الغفران بعد تكرر المغازلات وتبادل القبلات. أُطلِق هذا النهج من لقاء باريس الشهير وتدعم لاحقا في جولات الجزائر وارتداداتها في فنادق تونس.
وفي الصف المقابل وكردة فعل على عودة الفلول والأزلام، نزعت مجموعات من فصائل مختلفة إلى رفض هذا النهج الانبطاحي وبدأت تظهر إلى العلن مواقف متجذرة تدعو إلى الانحياز إلى صف الثورة والدفع نحو استكمال تحقيق أهدافها.



فهل يذكّر هذا الاصطفاف الذي بدأ بالتشكل في تونس بالمسار الذي طبع القضية الفلسطينية في العشريتين الأخيرتين؟ وهل تستنسخ المراحل الانتقالية في تونس الخيارات العربية ما بعد سقوط جدار برلين وبروز القطب الواحد؟
أم أن ظهور جماعة أسلو للتسوية والمفاوضات المباشرة - وما نتج عنها من سلطة رضي عنها العدو ولم يرض عنها الصديق تحكم بإرادة غيرها إلى أن خرجت عليها قوى المقاومة والجهاد الرافضة لانخراط الثورة الفلسطينية في نهج أسلوـ لم يكن ليكون لولا انتقال المنظمة الى تونس وتأثرها بثقافتها ومزاجها السياسي؟
وما مدى تشابه النهج العباسي في الحالتين وهل أن المصير العرفاتي هو مآل حتمي للزعامات التونسية؟


(2)

الثابت أن محبة الشعب التونسي لفلسطين لا حدود لها وأن دعمه غير مشروط ويبدو أن تبنيه للقضية الفلسطينية وصل إلى حدّ توطين أسلوبها واستنساخ نهجها في معالجة مشاكله وإدارة شأنه الداخلي. تشعبت القضية الفلسطينية وبلغت تأثيراتها وتداعياتها الساحات الاقليمية والدولية إلى أن أصبحت يوما تسمى قضية الشرق الأوسط.
جاءت منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس بعد حصار بيروت، في ثمانينات القرن الماضي، واستقرت قياداتها في الأحواز الراقية للعاصمة التونسية. وتفاعلت مع نخبها وتأثرت بمناخها الثقافي المنفتح كان من نتائجه أن طلّقت النهج الثوري العنيف وانخرطت في مفاوضات مع العدو الصهيوني بدأت سرا في أسلو العاصمة النرويجية بوساطتها ومباركة من الأنظمة العربية وبرعاية دولية. رغم أن العدو ما فتئ يلاحق قوى الثورة الفلسطينية بالحملات العسكرية واغتيال القيادات السياسية والميدانية داخل الأرض المحتلة كما في كل مكان ومنها الغارة الجوية على تونس حمام الشط والهجوم البحري واغتيال أبو جهاد في إقامته بضاحية قرطاج.
  انتجت تلك المفاوضات طبقة سياسية سميت بجماعة اسلو سيطرت على منظمة التحرير وازاحت كل الثوريين من طريقها ولم  يستثن من ذلك قائدها التاريخي الزعيم عرفات ولاتزال تمسك بتلابيب سلطة لا تحكم بشرعية شعبها بل بمدى تنازلها عن ثوابتها وبقدر تعاونها مع الاحتلال ضد المقاومة وإرضاء العدو ومن يدعمه من القوى الدولية. 
أما النخب التونسية بمختلف أطيافها الفكرية وألوانها الثقافية والسياسية فقد تفرقت شيعا مع شدة وطأة الاستبداد والفساد في الربع قرن الاخير الذي سبق انتصار ثورة الحرية والكرامة، تفرقت بين الداخل والشتات،  بين غياهب دهاليز التعذيب والقهر السياسي والاجتماعي أو الركون إلى الطاغية والتقرب منه والانخراط في منظومته والتسبيح بحمده في وطن أصبح سجنا كبيرا للجميع.  وبين الاضطرار إلى الهروب للخارج واللجوء إلى المنافي والمهاجر في الشرق والغرب حيث التقت مرة أخرى بالمعارضات العربية ومنها بعض الفصائل والقيادات الفلسطينية المقيمة في أهم عواصمه. ارتبطت العلاقات مرة أخرى بين النخب التونسية والفلسطينية وتقاربت الرؤى وتشابكت المصالح وتمظهرت في أشكال متعددة من التعاون وتجسدت أحيانا في مشاريع فكرية واقتصادية مشتركة.



(3)
تونسيا، يسوّق فريق الحوار بقيادة عباسية لمنهجه المطبع مع الازلام والفلول والثورة المضادة بأن كل تنازلاته هي بحث عن وفاق لصالح الوطن وسلمه الإجتماعي وأمن المواطن وأن كل شيء يهون في سبيله وأن التوافق لا مناص منه ليس للحاضر الانتقالي فقط وإنما لما بعد الانتخابات القادمة كذلك. كما يبررون نهجهم الاصلاحي التصالحي بأن سبيل الحوار والتوافق هو لقطع الطريق أمام الثورة المضادة غير أن المعارضين لهذا التوجه يقولون أنه عمليا يصب، وإن بطريقة ناعمة، في نفس المآلات والتي منها الانقلاب على الثورة وأهدافها بعودة رموز التجمع المنحل باسمائهم وممارساتهم، يغيضون ضحاياهم ويستعيدون مواقعهم، عودة إلى الشأن العام من دون محاكمة عادلة تؤدي إلى ارجاع الحقوق إلى أهلها وتشفي صدور الضحايا وعائلاتهم، عودة دون اعتذار لن تنتهي بالصفح ولا المصالحة.

ويتهم فسطاط المقاومة فريق الحوار والمفاوضات بقبوله لمثل هذه العودة بل وتسهيله لها عبر رفض قانون العزل السياسي وتحصين الثورة والمماطلة في تقديم مشروع العدالة الانتقالية للمصادقة عليه وتفعيله. ويبدي استغرابا وتساؤلا لم الجري وراء انتخابات محتملة وهل تستحق كل هذه التضحيات إذا كانت في النهاية لا تؤدي إلى احترام إرادة الشعب أو خيانتها كما في الانتخابات السابقة. ويتأكد هذا الرأي بما أن النية، التي تؤيدها بعض التصريحات للقيادات، بدأت تتجه إلى أن يقوم الوضع الدائم أيضا على أساس توافق عريض يشمل الفلول وبقايا التجمع الدستوري المنحل ولا ينبني على نتائج الصناديق ؟
 
لقد نجح مسار التهدئة والحوار تحت القيادة العباسية في الحالتين التونسية والفلسطينية  في ابقاء الوضع دون هزات كبيرة لكن هل توصل خارطة الطريق التونسية إلى أهداف ثورية واضحة في زمن محدد أم أن معالمها تتشابه وتتكرر كل يوم إلى حد الملل الذي بدوره يؤدي إما إلى الاستقالة من الشأن العام  والعزوف والاستكانة  أو اليأس الذي يقود إلى نهاية مأساوية لا تستطيع تجنيب الزعامات التونسية مصيرعرفات ؟



الثورة تفاعل متعدد الأبعاد والاتجاهات، وأهم خصائصها الحسم السريع لتحقق أغراضها، أما الاصلاح في وضع الانبطاح فخيط ممتد لا أفق له. 

الخميس، 30 سبتمبر 2010

الجناس لأحبّ الناس


بقـــلم: مسعــود جــبارة

(1)

تحياتي الى من أحيا حياتي، موصولة بصلاتي، على شخْصٍ و إن من أنفُسكم، فقد خُصَّ بأن يكون من أنفَسِكم.

أُرْسِلَ على رِسْلٍ من الرُّسُل، أرسله من أوْجَدَكم و جَدّكم، إلى إنسِكم و جنِّكم. بان على كتفه الخاتَم، وكُرِّم بأن كان الخاتِم، فكان لله خادِمًا، و بالكَرَم فاق حاتمًا. وُفّق إلى ترْك الشَّرِّ و الشِّرْك، و فوق التوحيدِ التمسّك بالنُّسُك.

هناك من صدّقه، و ثمّت من صدَّ عنه. فكان ما كانْ، في ذاك المكانْ، إذ أُمِر بالجهر أمام المُنازل، ثم فجْرًا بهَجْر المَنازل، فجَـرّ له أعلى المَنازل. ترك الأرض، كي عنه يرضى. غادر و ما غدر، و دخل الغار، و مع الخِلّ صار. العنكبوت عنه دارى، و الحمام باض و دار، أو حام حوله و طار.

ثم حلّ و بات بالسّهل، ودُلّ عن البيت و الأهل. هَلّل الأنصارُ، و دانت له الأمصار: طلع البدر، و انشرح الصدر.

(2)

كما أرسل أحرّ سلامي، مع كل حرف من كلامي، في مناجاتي و خالص دعائي، من مهجتي من فؤادي من أمعائي، من صميم قلبي و عميق أحشائي؛ دعاء صالح الولد، بما يخطر على البال أو يدور بالخلد، و كما ورد في السّنّة: يا رب أدخل والدي الجنّة، يا من له الحمد و الفضل و الكرم و المنّة، أسألك أن يرِدَ أشرف الحياض، و أن تسكنه الفردوس من الرياض.

آمــــــــــــــــــــــيـــــــــــــــن

الأربعاء، 22 سبتمبر 2010

رغم المطرقة و السندان، عاشت بنقردان !





بقــلم: مسعود جبـــــارة

أيها المحترمون من السيدات و السادة، سيسرد عليكم مصعب بن جبير سجوعه كالعادة، لكن هذه المرة من "الحمادة"، أو بين "الشهبانية" و "الورسنية"، أو من "الطابعي" الى "اسعيدان"، أو من غيرها من مناطق معتمدية بنقردان، المعروفة بتربية النوق و القعدان، و الواقعة على ساحل بحيرة "البيبان"، الممتد من "خوي الغدير"، الى "رأس الجدير".

لم يكن هناك لاصطياد أسماكها الشهيرة و الحيتان، و لا بحثا عن اللحوم الشهية للأرانب البرية أو الغزلان، بل ليرعى شويهات له و عنزات، و حيثما حل الليل في مكانه بات.

كان آمنا في سربه، سعيدا بعبادة ربه، مطمئنا الى صحبة كلبه، الذي لا يبسط ذراعيه إلا بقربه. يكد سعيا وراء الرزق كبقية الأنام، من طلوع الفجر و حتى ينام، في العراء أو تحت الخيام. هكذا كان حاله كل الأيام، سواء في الإفطار أم في الصيام.

كان لا يهتم إلا بإبله وأغنامه، لما رأى يوما في منامه، أن حُكْما صدر بإعدامه، و أن كلابا سودا، ظنّ لِوَهلة أنها أسودا، تهاجم القطيع، بعد أن حيّدت كلبه المطيع. فأطّت الشوارع بهم وحُقَّ لها أن تئط، و استشاط غضبا من أبدا لم يستشط. ولّى صاحبنا الفرار، و كمِنَ ينتظر القرار، الذي قد يتخذه الشعبُ، إذا لم يتملّكه الرعبُ.

جاعت في الزريبة النعاج، و قاق في القن الدجاج، و لم يتذكروا أن لهم قرونا و منقارا، و أنها ليست لتزيدهم هيبة و وقارا. كما ماء القط و عوى الكلب، لما كثر النهب و السلب.

لم ينفع ارتفاع الأصوات في فضح المقالب، و لا في تلبية المطالب، عندها فقط انتبه الجميع لدور الأنياب و المخالب، و أنها أنجع لصد السارق و السالب.

هاجت الدنيا و ماجت، كثرت الإشاعات و راجت. ارتفع اللغط، و ازداد السخَط، فهل سقطت ضحايا، و هل ارتكبت خطايا ؟ صمت الإعلام المباح، و انطفأ نور المصباح، فكان المفتاح، من الفضاء المتاح.
طُرد المهاجمون، و خَرس الواجمون، لكن بقيت في القلب لوعة، رغم أن التكاتف كان في منتهى الروعة. همس أحدهم في أذن مصعب، فانتفض من سباته انتفاض المنهك المتعب: لمَ تتجرأ علينا عصابة، و يفترسوننا كأنهم ذئاب في غابة؟ أتهاجمنا الخنازير و القردة، في شهر تصفد فيه المردة؟. كيف اجتمعوا عبر الحدود، لصفعنا على القفا و الخدود؟

الأحد، 19 سبتمبر 2010

الأفكار في المجتمع، كالإبتكار في السلع


بقـــــــــلم: مسعود جبـــــــــارة

راودتني عن حريتي أفكار، سرعان ما زجرتها أذكار، غير أنها عادت بسرعة عاصفة، لامست عقلا و دغدغت عاطفة. أفكار لها قوة الأعاصير اللولبية، و تحوم حول رأسي على الطريقة الذبابية. إن طردت فرْدها، أتت بجيوش لا يمكن جردها.

بدأت أفكارا ضبابية، ثم تكثفت، و تلبدت، و هي تمر مر الغيوم السحابية، التي تستعصي على المحاكاة الحسابية.

عششت في رأسي و لم تخش بأسي. و لما تخمرت، و في ذهني تسمرت، ترى من خلالها يخرج الودق، ثم ينزل نصوصا على الورق، مع تصبب جبيني عرقا، و بعد أن أشبعتني ليالي أرقا.

قبل أن أتبنى الفكرة، كنت طليقا أي نكرة، مطلقا لست حرا، و هي تذيقني عذابا مرا. أما بعد أن ألبستني خاتمها، فقد أصبحت خادمها. إن سولت لي نفسي، أو طاشت الحكمة عن رأسي، فزاغت عيني الى غيرها، ذكرتني بوافر خيرها، و استقامة سيرها.

ثم إني لما باشرت الكتابة، أصبحت كمن ظللته السحابة، يُعرف من بعيد، و هو بمنظومة أفكاره سعيد. يركب البحار، كي يدعو لها الأنصار. أصبحت عنصرا في فضاء مجتمعي ثلاثي الأبعاد، ترى صورتي فيه بكل دوال الإسعاد. و حسب ديكارت فلي إحداثيات، اسقاطا على ثلاث مستويات، تأخذ بعين الإعتبار، و توسع درجة حرية الإختيار:

س: صلة رحم بالدم و الولادة

ص: و قرابة بالزواج و الوسادة

د: و أخوة في الله هي أيضا عبادة

كلها علاقات تتطور مع الزمن، و تزداد قوة و ارتباطا مع المحن.

فمتى يفهم العسكر، أو من قال بأن الدين أفيون مسكر، أن المجتمع يحتاج أيضا الى حرية رأي و فكر، كي يصبح له شأن و بين الأمم له ذكر.؟

ترجمة بعض المفردات:

الدالة(دوال)=Fonction

مستوي=Un plan

الإحداثيات: Les coordonnees س= x ص=y د=z

المحاكاة الرياضية=Modelisation; simulation

الأربعاء، 15 سبتمبر 2010

سيرة و مسيرة: الحاج المحجوب جبارة، رحمه الله

كتـــبـــها ابـــنه : مسعــود جبـــــارة


سيرة و مسيرة:

الحاج المحجوب جبارة، رحمه الله

هو الحاج المحجوب ( (2010-1920 بن المبروك(1977-1891) بن عبد الله(1938-1856) بن امَحمد بن علي بن جبارة الخويلدي (و قيل الخليفي) التوزني الورغمّي وهو ابن غالية بنت عبدالله بن محمد بن عون الله الخويلدي.

ولد يوم 20مارس 1920 بموجب تصريح 1958 وحسب ضابط الحالة المدنية ببنقردان صلاح الدين السلامي. في منطقة بنقردان؛ من عمل ورغمّة، في الإمارة الحربية، بالجهات الجنوبية، للإيالة التونسية، تحت الحماية الفرنساوية.

و توفي مساء الإربعاء -التاسعة ليلا- الفاتح من سبتمبر 2010 الموافق للثاني و العشرون من رمضان 1431و دفن بمقبرة وادي السدر من معتمدية مدنين الجنوبية صباح الخميس، فبات أول ليلة في قبره ليلة الجمعة من العشر الأواخر؛ ثلث العتق من النار، رحمه الله رحمة واسعة و أسكنه الفردوس الأعلى.

نشأته:

نشأ و ترعرع المحجوب تحت رعاية والديه و محبة جده عبد الله وقد كان حفيده البكر. لم يكن له أعمام ذكور بل عمتان فقط. و بعد بضع سنين أصبحت له أخت "هناء" قبل أن يفترق والداه و هو لا يزال صبيا. فازداد عطف جده عليه و أكثر من الإعتناء به [1]

أجاد الفروسية و اشتهر في الجهة كأحد الفرسان الذين لا يشق لهم غبار في المضمار و كل ميادين و مناسبات اظهار الرجولة في مثل تلك البيئة البدوية كالمناوشات المسلحة بين القبائل أو الإستعراضات الإحتفالية في الأعراس.

عمل الى جانب والده في الرعي و تربية قطعان المواشي حتى كانت لهما قطعان كثيرة من الأغنام و المعز و الإبل كما عمل في الزراعات البعلية و فلاحة الأرض، فأصلحا المساحات الشاسعة بغراسة أشجار الزيتون و كروم التين لا تزال غاباتها في بنقردان و هيمان و وادي السدر شاهدة على براعة أصحابها في دقة التخطيط لها وشهيرة باستقامة سطورها و في كل الإتجاهات، تنافس في ذلك مثيلاتها في جرجيس و صفاقس و التي كانت لمستعمرين فرنسيين كبار يعرفون العلوم الهندسية الحديثة و يستعملون كل التقنيات العصرية.

جهاده ضد المستعمر الفرنسي:

كان المحجوب شاهد عيان في صباه على جرائم المستعمر الفرنسي الغاصب ثم و هو في ريعان الشباب حضر العمليات العسكرية في شمال إفريقيا (تونس و ليبيا) إبان الحرب العالمية الثانية (1945-1939) بين الحلفاء (بقيادة الجنرال الانجليزي مونتغومري) و المحور( الجنرال الالماني إيروين رومل)و التي دارت رحاها في مناطق الجنوب التونسي بعد تقهقر الألمان غربا إثر معركة العلمين بشرق ليبيا.

كانت لهذه البيئة الحربية و الإستعمار الفرنسي الغاشم الذي حكم مناطق الجنوب التونسي كمنطقة عسكرية و الإهانات المتعددة من قتل و اغتصاب و تنكيل و تشريد التي كان يتعرض لها الأهالي البسطاء من تلك الجيوش الأوروبية المختلفة والتي تتطاحن على أرض المسلمين، الأثر البالغ على حياة الناس عموما و على الشاب المحجوب خصوصا، فانخرط في سلك المقاومة التي أصبحت تتشكل بأسلحة بسيطة تفتكها أو يشتريها الأهالي، مبادلة بالخبز المحلي أو بيض الدجاج، من أفراد الجيوش الغربية.

التحق بخلايا الحزب الدستوري أول مرة سنة 1945. و تابع أخبار المجاهدين و خاصة الشهير الدغباجي ثم سرعان ما التحق بخلايا المقاومة بداية الخمسينات تحت إمرة المجاهد الشهير مصباح جربوع بجبال بني خداش،الذي أوكل له مهمة عمليات التمويل و الإمداد.[2]

شكّل سلسلة من العلاقات تمتد الى المناطق الغربية لليبيا -كامتداد قبلي طبيعي- تجمع المساهمات المالية و تؤمن إمداد المجاهدين بالذخيرة الحربية. كان له محل تحت الأرض شهير بهيمان من غابة مدنين بعيدا عن الطريق المعبدة يجمع ويخزن فيه ما أمكن استيراده من الأسلحة من المشرق أو مما تركت الجيوش الغربية المتقاتلة. كما كان المحل مركزا للقاءات التجنيد و التعبئة ضد المستعمر الفرنسي و محطة للملتحقين الجدد القادمين من قبائل و مناطق مختلفة ومشفى لاستراحة المرضى و الجرحى العائدين من القتال. شاهد أقاربه و جيرانه منه كل ذاك النشاط و تلك الحركية في دعم حركة الجهاد ضد المستعمر و المساهمة فيه، واستثار حماستهم، فيسّر إلتحاق العديد منهم و خاصة الشبان بصفوف المجاهدين في سنوات -1954-1953

فكان أن تسلل أكبرابنائه ذو الثمان سنوات ليلا طلبا للإلتحاق بالمجاهد مصباح جربوع...!!

و لما ظهر الإنشقاق داخل الحزب الدستوري في النصف الثاني لسنوات الخمسينات، ساندت أغلب المجموعات الجهادية الأمانة العامة و ظهر ما أصبح يعرف بالحركة اليوسفية التي سرعان ما اندحرت أمام بطش الرئيس الحبيب بورقيبة وانسحب أغلب رموزها الى القطر الليبي إثر صدور الأحكام المشددة ضدهم و تعدد ملاحقات النظام لهم، و منهم رفقاء دربه و أمناء سره (ارحيّم بن مصباح، محمد بن حسين الجرو..).

دعم نشأة الجيش الوطني و قاد الحملات التعريفية و ترغيب الشبان بالالتحاق به سنوات 1957- الى 1959.

العلم و العمل:

كان المحجوب محبا للعلم و العلماء، داعما لهم. و رغم أنه لم تتوفر له فرصة التعلم، فقد حرص مع والده أن يكون لأطفالهم معلما للعلوم الشرعية يستأجرونه سنويا ليقيم بينهم حيثما حلوا ويرحل معم أينما ذهبوا طلبا للرعي و الكلإ. كانوا يلقبونه المؤدب و يعلم الذكور و الإناث على حد سواء القرآن الكريم و بعض الأحكام الشرعية و يستفتونه في كل ما يستجد من أمورهم الحياتية؛ من المسائل الفقهية البسيطة الى الإستشارة في معاملات البيع و الشراء و العقود (المغارسة، المشاركة، أو النكاح و الطلاق) و يلتحق بدروسه كل من يرغب من الأقارب و الجيران.

و لما استقرت العائلة بوادي السدر في بداية الستينات من القرن العشرين، دفع المحجوب بجميع أبنائه لحفظ كتاب الله بالكتّاب التابع للمسحد القديم المسمى بالزاوية و الذي ربطته لاحقا بإمامها صداقة حميمة، ثم الحق من كان منهم في سن القبول بالمدرسة الإبتدائية المستحدثة سنة 1964 -1963.دعما لمجهود بناء مواطن العمران وتشجيعا للإستقرار.

و لما ترك النشاط الرعوي، أمتهن التجارة عبر الحدود التونسية الليبية ثم إفتتح سنة 1965 دكانا للمواد الغذائية في وادي السدر قبالة المدرسة الحكومية قبل أن يتركه مع زحف الموجة الإشتراكية للوزير أحمد بن صالح في نظام الرئيس بورقيبة المريض و الذي كان يفتك أملاك الناس تحت مسمى التعاضد سنوات 69-68-67 فعمل بعدها على قيادة جرار اشتراه مع صديقه المنصور بن محمد الجرو.

لم يرمنه والده سوى كل الطاعة و البر. و لاحظ عليه فطنة و حكمة، فقال فيه قصيدة يمدحه فيها و يدعو له؛ يقول مطلعها:

المحجوب فالح ياليتني قرّيته== يارب يربح هو و ينجحوا ذرّيته

مع بلوغه سن الستين تفرغ الى الشأن العام في تطوير القرية، فشكل مجلسا من الأعيان حوله الحزب الحاكم لاحقا الى خلية ثم شعبة دستورية. أهتم المجلس بدعم المدرسة فبنى بمجهود خاص من الأهالي المزيد من الأقسام و أحاطها بسياج، إضافة الى بناء دار لسكن المعلمين و المعلمات، و ناد للشباب، و ادخال خدمة الهاتف العمومي لأول مرة في القرية. كان لمجلس القرية مطالبات و مراسلات و مجهودات تذكر فتشكر في مطالبة السلط الجهوية لإيصال الكهرباء و مد شبكة المياه الصالحة للشرب للمواطنين، مجهودات لم تثمر إلا مع بداية التسعينات.

و كان الشرف الأهم، هو ترؤس المحجوب في بداية الثمانينات مجموعة من وجهاء القرية لبناء مسجدها الجامع، تخطيطا و تمويلا و تنفيذا، و يصبح قلبه معلقا به بقية عمره حيث كان يقضي أغلب يومه داخله في انتظار الصلاة بعد الصلاة، قبل أن يقعده الهرم على الفراش، و يتخلف منذ سنة 2004عن الحضور الى مكانه في الصف الأول أمام السارية. جاءه يومها صديقه الحميم الحاج علي بن خليفة يزوره و يستسمحه في الجلوس الى نفس العمود، فرأيتهما يذرفان الدموع في موقف نادر جدا.

قصد البقاع المقدسة للحج مرتين سنة 1979 وسنة 1986 ثم أفرد بالعمرة في رمضان من سنة 1998. اللهم تقبل منه و زد في حسناته و تجاوز عن سيئاته و الحقه بالصالحين، من النبيئين و الشهداء و الصديقين، يا رب العالمين، و حسن أولائك رفيقا.

إن القلب ليحزن، و إن العين لتدمع و إنا على فراقه لمحزونون. رحم الله الوالد العزيز و غفر له و جميع موتى المسلمين

[1] كتب له جده عبد الله عام 1936 صدقة تساوي ثلث املاكه من أراض زراعية في هيمان و وادي السدر و عقارات كالغرفة التي في قصور مدنين. و ترك الثلثين للمبروك والد المحجوب. الوثيقة هي عقد مسجل بمدنين. هذه الوصية لم تنفذ برغبة منه ترضية لوالده و اخوته الصغار.

[2] أنظر الوثيقة بذلك مختومة من المجاهد الكبير مصباح جربوع.