الثلاثاء، 27 أبريل 2010

مقــــامة ثورة البركان

بقلم: مسعود جبارة

روى مصعب بن جبير، و ما ينبؤك مثل خبير: كنت في ذاك الزمان، طفلا ألعب و أمرح في أمان، ككل الغلمان، نحب من الفواكه الرمان، و نشتهي من اللحوم السمان، الى أن ثار البركان.
قررت ترك الأرض والوطن، و هجر من سكن و قطن، بعد أزمة حيرت الحليم و الفطن، و فتنتْ أخا الدين و البطن. بعد الرأي و الإستشارة، و صلاة الإستخارة، وجدت عزما أشد من الحجارة، أن أضرب في الأرض للتجارة، أو أطلب اللجوء و الإجارة، هروبا من الواقع المر، وحالما بالعالم الحر. تناولت الفطار، ثم ركبت القطار، قاصدا المطار، بعد أن لبست الجديد، و حملت ما يلزم البلد البعيد، و قد تعطرت بشيء من طيب، و ودعت كل حبيب، و طلبت العفو عن أي عمل مريب، من كل صديق و قريب. سألت الله في سفري البر و التقوى، و من العمل ما يرضى، و دعوته أن يطوي عني بعده، و أن لا يخطف بصري سنا برقه أو يصيبني رعده، و أن يحفظني من الإرهاب و توعده، باستهداف الجميع، الكافر منهم و المطيع، باسم البصير السميع.

حملت المتاع و الجواز، و الحدود عليّ أن أجتاز. سلمتهم الحقائب، و قلبي خوفا من فقدانها ذائب، ثم بدؤوا بالتفتيش، و قالوا امسك عن الحركة و التشويش، عند التصوير بالأشعة، للأبدان و الأمتعة، ليكشفوا المستور، فعل تنكره شريعة الله ولا يقره الدستور. مللت الوقوف، خلف الصفوف، فإذا واحد من مشاهير الفن أمامي، طُبعتْ له صورة و كأنه في بيت الإستحمام، ثم طَلبت منه الشرطية توقيعه، قبل أن تقبله لتوديعه.

حلقت بنا في السماء، بعد أن شعرنا بالخواء، في الدماغ و الأمعاء. ثم أزعجتنا بعض المطبات، التي منعتنا من تلذذ المرطبات. فجاؤوا بالعصير، و طمأنونا على المصير. كانت طريقنا معبدة، الى أن ظهرت أمامنا السحب الملبدة، كأنها رؤوس الشياطين، هاجمتنا كما اليهود على فلسطين.


سكنت كل المحركات، وسط بحر من الظلمات، و علت الأصوات، من أحياء كالأموات. لهم صراخ كمواء الهرة، و وجوه مكفهرة، ترى حتفها، عيانا رغم أنفها. في جزء من الدقيقة، كنا نغرق في هوة سحيقة، و نجهل السبب و الحقيقة. إذ لكل امرىء منا شأن يغنيه، عن أمه و أبيه، و صاحبته و بنيه. و فيما يشبه الخيال، و بعد أن نزلنا آلاف الأميال، اشتغلت ثانية المحركات، و طلب منا الهدوء و السكات، ليتصل القبطان بأقرب برج مراقبة، و يهبط بأمان لنفرح بحسن العاقبة.


هناك و من الأخبار، عرفنا سبب الظلمة و الغبار، علمنا أنه وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ ثار البركان، و نفث في الفضاء الرماد و الدخان. و رغم تنسيق قيادة الأركان، و التعاون بين كل البلدان، من أيسلندا شمالا الى جنوب السودان، فقد أعلنوا العجز، و الغوا الحجز. فشُلّت تماما حركة الطيران، بعد أن ران على القلوب ما ران.


قال مذيع، في برنامج بديع: في الصين زلزلت الأرض زلزالها، و في أيسلندا أخرجت رمادها و أثقالها، فهل يتوب الأنسان الى ربه الذي أوحى لها؟ طال الإنتظار، و الكل يتابع آخر الأخبار، عن الذي إحتل الفضاء، و ترك الجميع في العراء، في المطارات عالقا، يفرد بالرجاء خالقا، الموصوف بالقدرة و الرحمة و المهابة، عسى أن يقشع عن سمائنا السحابة.


تكدس في المطارات نفر، كل بينه و بين مأربه سفر، كل يروي مما يعيش من العذاب قطعة، و مع كل إعلان تأخير يتلقى منها صفعة.

فقال أحدهم: لم أحاكم لجرم ارتكبته، أو ذنب أصبته، أو عار جلبته، و لم أطارد لمال سلبته، أو صاحب دَيْن قلبته، إنما لظلم تفشى فغالبته، و هوى في النفس طارحني فغلبته، لما رأيت زبانية الشيطان، تتحكم في الأوطان، و تسخِّـر عصابة من الأشرار، ليشتبكوا مع ثلة من الأحرار. قال فركبت الليل، الى وادي الخيل، و في الظلام الحالك، بحثت عن أقوم المسالك، للولوج الى أقرب الممالك. رمت طوعا الإبعاد، ألا بعدا لقوم عاد. لم ينته بي التطواف، و لا زلت أجدّ في طلب الإسعاف، و الى من قد يستضيفني ابغي الإنصراف، لعلي استقر عنده في آخر المطاف.
و قال الثاني: بورك في مجلسكم، و طاب شربكم و أكلكم، و جمع الله في أوطانكم شملكم، و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم. لا يستوي أصحاب النار و أصحاب الجنة، و ليس البريء كذي الشبهة و المظنة. أما أنا فقد كنت مع أهلي في أول الليل الداجي، إذ طرق بابي الضيف المفاجي، و قال لي لقد اتعبني طريقي، فابلعني ريقي. فلما جلس و أوتي له بالشراب و الطعام، مرق مع لحم طير النعام، أظهر امتناع المحتشم، و أعرض إعراض البشم. كان يدير في كامل أرجاء البيت بصره، و ذهنه معي لا يحصره. و رغم الإلحاح، لم يقبل بالإفصاح. فسئت ظنا بامتناعه، و ازعجني سوء طباعه، فأغلظت له في الكلام، و بدأت السعه بسيل الملام. فرد بإنزعاج، وصوت النعاج، قال يا صاحب الثقة، لو توخيت الدقة، ارجع عما جال ببالك، و استمع الي لا أبا لك. فقلت كف عن الترهات، و لحجتك هات. غير أنه و في غفلة مني وثب اليّ، ليلقي القبض عليّ، و يكبّل يديّ. ثم يشرع باغتصاب ما وقع تحت سلطته، لكنه دفع في الحين ثمن غلطته، فقد فككت قيدي، و القيت على رأسه ما كان قرب يدي. فسقط مضرجا في دمائه، و لم يفق بعدها من إغمائه.

ففررت منهم لما خفتهم، و ارتعد كلما شفتهم. فأنا ابحث عن مدين قوم شعيب، الى أن غزا رأسي شيب، لعل أحدا من إبنته يزوجني، فيذهب عني ما يزعجني. ثم تنهّد، و شهّد، وقال: كل ما يلتصق اليوم ببالي، هو أن أدعو يوما أشبالي، للتحلي بمحاسن الأخلاق، و الحرص على باب الدار بالإغلاق.


ثم قام ثالث يعضنا، و قد عرف سيرة بعضنا، فقال: لي أبن أخ كنت أمونه، و أراعي شؤونه. فلما شبّ، والشعر في وجهه دبّ، لم يلتحق بالأبرار، ولا فضّل صحبة الأخيار. و مع أني كنت دوما أوصيه، و ربك أبدا لا تعصيه. لا تقترف جريرة، و لا تجترح كبيرة. فسيهلك من هلك عن بينة، و يحي من حي عن بينة، لكنه اتخذ في بلاد الغربة كلًّا، الذي أعطاه شربا و أكلا، يؤذي الاجسام و يفضي الى الأسقام. فنلت منه مقابل حسن الصنيع، الإيذاء والكفران الشنيع.

فهاتفته، و سافرت له وكاشفته، و قلت له لقد رعيناك فينا فطيما، و ربيناك بيننا يتيما، و لم نحجر عليك تعليما. فلم تفعل بنفسك ما تفعل، أنظر لصدرك و أنت تسعل، واهتم بصحتك وبنفسك، و عن الموبقات أمسك، و تطلع الى غدك لا لأمسك. فرام الإصلاح، لما خاف الإفتضاح، فتبتُ من اتهامه، و ثبتُ الى اكرامه.

تدبرنا الحديث و معانيه، و عرفنا كل واحد و ما يعانيه، بركان بداخله يخفيه، إذا أفصح و فتح فيه، سيل من الحمم لا يضاهيه، لأن ما في الصدور، يغلي غلي القدور. و يوم تنفجر، يطلع الفجر.


فبركانهم لسماء قارة غم، و بركاننا للشباب أرغم، على ركوب الأهوال، أبحثا عن أموال، أم فرارا من سوء أحوال. لكن من يحمي من الذوبان و الانحراف، و الميل الى الاسراف، أو حتى الإنصراف، الى العيش مع الخراف.؟

الأحد، 21 مارس 2010

غــيرة و حــيرة من إعــجاز الجــهاز

مقــامة بقلم: مســـعود جـبـــارة
روى مصعب بن جبير، قال:
اشتكت من تحول اهتمامي الى التأليف، وأني بدأت أتقاعس عن النهوض بالتكليف، بالطبخ و بالتنظيف، بل وأمعنت في رفض الأوامر، و التوقف عن إسماعها كلمة حاضر، ثم التمرد عن غسل الصحون، مذ أصبت بهوس الكتابة الممحون، و أني من أمام الجهاز لا أقوم، و عن الحديث معها أنا أصوم.
قالت أنت لم تعد تعتني بالأولاد، فلذات الأكباد، و لا تسأل عن الأعداد، ولم تعد تراجع معهم الدروس، بل و تهدم كل ما سبق من الإتفاقات و لها تدوس، فارجع هداك الله الى الواقع، و قم بالعمل النافع.
ماذا أفعل؟ أنا متحيّر، إذا العالم كله بسرعة يتغيّر، و أي بديل عن جهازي أتخير؟ به مع الأصدقاء أتواصل، و أي معلومة هي عبره من حصول الحاصل، مدعمة بالصورة و النص مع النقطة و الفاصل.
ألا يمكنكم بالصوت و الصورة، أن تتابعوا الأخبار والمحاضرات أو مقابلات الكرة، و أن تضيفوا تعليقكم، على مقال لصديقكم. و إن فضلتم الرد بالوجوم، بدل شن الهجوم، فيكفيكم الضغط على أيقونة، في الجهاز مسبقا محفوظة مصونة، فلكم أن تعبّروا بالتقاسيم، إما بوجه باسم وسيم، أو بآخر له قرين، مقطب و حزين، دلالة عن الرفض، و لرأيه بالتحقير و الخفض.

ألا ترون أن جهازي يشجع المواهب، وهو لكل التسهيلات واهب. لقد انهى عهد الكتب الثقيلة، التي لم يجد لها الجاحظ أي حيلة، فكانت لوفاته سببا و وسيلة. فسارعوا بربطه بالشبكة، و ارفعوا السرعة وأتقنوا الحبكة، لأنه من أراد لقضيته النصر، فعليه بأداة العصر .
أني محتار، ماذا أختار؟ فهل أطلقها لأبقى في الفضاء الإفتراضي أحلق و أجوب، أم أطلَّق الإعلامية فيفارقني هذا الحاسوب؟ أتكمن فيّ أم فيه العيوب؟ و هل هو يصْدُقني أم هو كذوب؟ إني أحترق، إني أكاد أذوب!

شــجــرة الخـــلد

مقامة بقلم: مســــعود جـــبارة
كثيرا ما أترك المدن الى الأرياف، في أوقات الإصطياف، بحثا عن الراحة، في ظلال الواحة. أستمتع بالغلال، و الماء الزلال. أنطلق الى قرى الجنوب، لزيارة الأهل و الوالد المحبوب، و للقاء صديق ظاهر أو محجوب. كنت أتحمل لذلك متاعب الأسفار، و إن من بلاد الكفار، إذ حبب الي من فواكه تلك الربوع ثمار التين، الني نضجت في شجرتها قبل السقوط على الطين، والتي تذكرني رأسا بما سلب من فلسطين. فهي من الأغصان تتدلى، و بلون الصفرة تتحلى، تتحجب بالأوراق، عن أشعة الإشراق.
استيقظت ذات فلق، أسبّح الذي خلق، خلق الإنسان من علق، خلقه في أحسن تقويم، و عرض عليه الأمانة للتبجيل و التكريم، و أقسم على ذلك بالتين و الزيتون، إذ علمه القراءة نثرا أو بالمتون. انتبهت عيني من نومها، و صلـّت قبل طلوع يومها، صلاة بالمدود، طويلة الركوع و السجود، وختمتها بتشهد القعود، ثم أتبعتها بالدعاء المعهود.
بعد التباكي والدموع، إثر تلاوة الخشوع، و التبتل في السجود والركوع، لفظني فراشي ومن الغيظ استشاط، و تحفزت نفسي نشاطا، فأخذت مشطا و رفشا، أزيل عن الحديقة أعشابا و قشا. غير أن عصافير بطني زقزقت، و دموعي من الجوع ترقرقت، لما رأيت بالحديقة، شجرة ذات ساق دقيقة، و أوراق كثيفة لصيقة. فدنوت منها دون تفكير، و أصبت منها ما يصيب من الخمر السكير، الى أن تصبّب من جبيني العَرَق، و غمر عيني الغرق، و توقف صدري عن التنفس، فرأيت الذبابة في حجم الخنفس. و ما لبث أن ظهر انتفاخ البطن، حتى قطّع تبان القطن، بعد سقياه بماء بارد من الماجل، اضطرني الى تلبية النداء العاجل، فأسرعت به الى الخلاء، ولم أكن عليه من البخلاء، متجنبا إتجاه القبلة، و متواريا وراء المزبلة.
فقدت الوعي، و أنا أجدّ السعي، ثم على الأرض و قعت، و بما كان في جوفي اليها دفعت.فتحت عيني على الأهل محلقين حول سريري، محدقين الى أساريري، فنظرت الى الجماعة، ثم حدقت في الساعة، و اطلقت للتفكير العنان، هل ما زلت في الجنان؟ أم خطأ أنا في عيادة حكيم الأسنان، أم حملت الى طبيب الأمعاء، ليقطع الدودية مع الإدعاء، أنها زائدة و يلقي بها في أول وعاء؟

ثم عدت الى رشدي، و قلت في خلدي، أن مثلي كمثل آدم، و علي أن أستعد لما هو قادم، فهتف في أذني من قال: قم يا أبا نُعيـْم، و اصبر على كل ضيـْم، تماسك كصحيح لبيب، لقد جاء يعودك كل حبيب.
و لما بان الفرج، فحدث و لا حرج. أما أنا فأول ما تبين لي الفرق، و ميزت؛ أين الشمال وأين الشرق، حمدت الله أن عجل بتفريج الكربة، و أدركت أن أكل التين يحتاج الى الدربة، و أنه من أكل الكمأ، لا يشرب إلا بقدر ما يطفىء الضمأ، و أما الحاضرون فالبعض انطلق، وبعضهم جلس في حلق. الأول ذهب بأجر العيادة، و الثاني طلب الزيادة، غير أنه جلس يستلم الناس بالنميمة، و يصفهم بالنعوت الذميمة.
وبعد ساعات راود النعاس الآماق، حتى أمال الأعناق، فقلت قوموا و استعدوا للقيلولة، عملا بالأحاديث المنقولة، فقد قال صلى الله عليه و سلم: " قيلوا فإن الشياطين لا تقيل". لقد جاء وقت المقيل، بعد أن كلـّـتِ الألسن من القال و القيل.

الأربعاء، 20 يناير 2010

قال لقمان الحكيم لإبن أبي نعيم

بقـــــــــلم: مسعود جـــــبارة
*****************
جانفي 2010

نصحتك بالإنتباه الى حالك
قبل انتهاء صحتك و مــالك

و إن أبيت فما أغناك مالك

و صار مع أبي لهب مــآلك

وإن لم يكن صـراطك ســـالكا ** صرتَ لنفسك و لأهلك هالكا
فــسل السبيل الى سلسبيلا ** و إلا ظـل حـالك ظـلاما حــالكا

فلا تكن من حصى و لربه قد عصى ** بل من أثمن الجـواهر إلا أخــالك
فإذا فرغت فانصب و لربك فارغب ** و ليكن نعيم الجنة فــالي و فـالك

أنا مســـــــــلم من وادي السِّـــدر

بقلم: مسعــــــود جبــــــــــارة
جـــــــانفي 2010

أنا مسلم و من جــنوب تـــونس انحــــــدِرُ

حيث أ ُستقبـَلُ كما ليــــلة َتمــامِهِ الـبـَـــدرُ

لكل الأهل هناك مني الإحترام و الـقــــدَرُ

أعودهم إذا أصاب النفسَ الرانُ و الكـــدَرُ

************************


لقد آمنت بالله و بالقضـــاء و القـــــــــدَر ِ

وأقول لا إله إلا الله عــدد الحجر و المــــدر

أن جعل موطني هو قرية وادي السِّـــدر ِ

فيها أستمتع بالــراحة وانشراح الصــــدر

كالصبي في الحضن أو العروس في الخِــدر

و لي أموال أنا مطمئن عليها من الهــــدر

بين العشـــيرة لا أخشى أحدا من الغــــدر

وحسبي الله إن ساءت الأخلاق وأنا لم أدر

السبت، 16 يناير 2010

من وحي زيارات البابا و أوباما لمساجد اسطنبول

بين السماح و عدمه بدخول المساجد (و الأوطان) لغير المسلم

بقلم: مســـعود جبــارة
جويلية 2009

في اسطنبول عشرات المساجد يرجع بناؤها الى القرون الأولى للإمبراطوربة العثمانية التي امتدت من 1453 الى 1923 غير أن أشهرها على الإطلاق ما بناه أو رممه المعماري سنان باشا في السنين الأولى للنصف الثاني للقرن الخامس عشر ميلادي. مساجد شيدت على ربى (هي أقرب الى الجبال) اسطنبول السبعة عندما تدخلها تشم فعلا عبق التاريخ. مباني قد يصل ارتفاع القبة الى 55 مترا و قطرها الى 33 مترا. عدا المآذن الشامخة التي تناطح السحاب.

أهم الجوامع الأثريه التي شيدت في القسطنطينية كما كانت تسمى اسطنبول في عصر الدوله العثمانيه:
1-المبنى الأثري (متحف آيا صوفيا) الذي يرجع بناؤه ككنيسة إلى القرن السادس الميلادي على يد معماري بيزنطي ثم تحول إلى مسجد بعد الفتح العثماني للقسطنطينية ثم إلى متحف عام 1935، وتتعانق النقوش الإسلامية والمسيحية على جدران المتحف بواسطة الفسيفساء التي تم الحفاظ عليها على مر القرون بفضل تغطيتها بالطلاء.
2-مسجد السلطان أحمد المعروف باسم المسجد الأزرق بسبب نقوشه المميزة، على الجدران المغطاة بـ21 ألف قطعة من الفسيفساء على الطراز الأزنيكي (نسبة إلى مدينة أزنيك التركية) مهيمنا عليها اللون الأزرق.

3- مسجد الباشا محمد الصقلي و الذي بناه المعماري سنان بعد أن بنى جامع السلطان أحمد و يقع على جانب الربوة التي عليها المسجد الأزرق و فوق محرابه قطعة صغيرة من الحجر يقال أنها من الحجر الأسود الذي بركن الصفا من الكعبة الشرفة بمكة المكرمة.
4- العديد من المساجد الشاهقة الأخرى و تسمى باسم السلطان الذي بنيت في عهده أو أمر ببنائها كالسلطان بزيد الثاني والسلطان سليم والفاتح و رستم باشا و سليمان القانوني و حرمه روكسانة.
5-جامع باسم الصحابي أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه و به ضريحه و يزوره جموع غفيرة و يقع بمنطقة شعبية خارج أسوار المدينة القديمة.
جدير بالذكر أن في أغلب هذه المساجد، مدارس لتحفيظ القرآن الكريم و بها مبيت داخلي لطلاب العلم.

من أشهر من دخل هذه المساجد الإسطنبولية في الفترة الأخيرة فقط:
1- بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر الذي اتجه الى مكة المكرمة كما يفعل المسلمون في صلاتهم وذلك لدى زيارته مسجد السليمانية الازرق في اسطنبول. وظهر البابا وقد شبك يديه على بطنه كما يفعل المؤمنون في الصلاة وصلى لبضع دقائق.
2- الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي خلع نعليه ودخل المسجد الازرق في إسطنبول وابتسم لرؤية الحسين ثم تجول في ساحة الميدان قبل زيارته متحف آيا صوفيا التاريخي.
3- و غيرهما كثير من رؤساء الدول و كل الشخصيات و الوفود التي تزور المدينة.
4- كما يدخل مساجد اسطنبول يوميا مئات أو قل حتى آلاف من البشر جاءوا من أصقاع الدنيا للسياحة و زيارة المعالم
الأثرية و التعرف على هذا البلد ذي التاريخ الزاهر. ما يلفت النظر هو أن المساجد مفتوحة لكل الناس كبارا و صغارا، من كل الأديان ذكورا و إناثا مع بعض الإجراءات التي هي أقرب للشكلية. قطع من القماش متوفرة في مدخل المسجد لتلتحف بها النساء الكاسيات العاريات من السائحات و المواطنات. يتقدم المسلمون الى النصف الأمامي من الجامع، يصلون النافلة أو الفريضة بينما يحتل الآخرون الفضاء الخلفي من ورائهم يلتقطون الصور التذكارية لبعضهم البعض رجالا و نساءا أمام النقوش و الزخارف أو تحت القباب أو الى جانب المحراب و المنبر. ما أكثر ما ترى داخل المسجد الرجل في تبان و المرأة في لباس السياحة بل قل السباحة، هؤلاء الزوار تراهم أزواجا يمسك الواحد بالآخر أو جماعات يتجاذبون أطراف الحديث وقوفا أو جالسين دون أي مراعاة لحرمة المكان.

موقف آخر و زيارة مختلفة:
كنت في بلد عربي مشرقي قبل أقل من شهر و صلينا العصر جماعة في المسجد و بعد السلام لاحظ المصلون أن شخصا قام يصلي صلاة أخرى بعد أن كان صلى مع الجماعة و قد وضع أمامه قطعة حجر يسجد عليه فسارع الإمام و سحب الحجر من أمامه و قبل أن ينتهى الرجل من صلاته كان قد ارتفع الهرج و المرج و استشاط البعض غضبا منددا بتسلل الشيعة الى مساجد السنة! انتهى الأمر بنهر الرجل و زجره و التأكيد عليه أن لا يعود لصنيعه مرة أخرى رغم أنه يعمل بمؤسسة ملاصقة للمسجد، ثم طرد شر طردة.
تذكرت هذه الحادثة و أنا أخرج من أحد مساجد اسطنبول (السنية) متسللا من بين مجموعات من السائحات من أقصى شرق آسيا (يابانيات الملامح على ما يبدو) في ملابس فاضحة جدا .

عندها لم أتمالك أن تساءلت:
- هل من موقف وسط بين الإفراط و التفريط من السماح بدخول المساجد؟
- أين استقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم نصارى نجران و دعوته لهم للمباهلة؟
- و أين كان يلتقي الوفود و القادمين الى المدينة من الأعراب الوثنيين؟

و أخيرا و ليس آخرا: أين المصلحة و المفسدة في هذه الزيارات ؟ المسألة للنقاش!
--------------------------------------------------
ملاحظة:
أولا وجب أن اوضح أني ما اردت ان ينحصر النقاش حول الجانب الفقهي المحض لارتياد المساجد من غير المسلمين لكني أطرح الاشكال و أوسعه الى دخول الأوطان (او غزوها) السياسي و الأقتصادي و حتى العسكري مع القواعد الاجنبية التي يرخص لها هنا و هناك في البلدان الاسلامية

ثانيا اضافة الى رمزية الدخول هذه ، عمدت الى ابراز الاصناف الثلاثة :
1- البابا (الرمزية الدينية)الذي ريط الاسلام بالعنف و لم يعتذر بعد
2- اوباما (او القوة الغاشمة) الذي يغزو/يحتل/يقتل المسلمين و اراضيهم و مقذساتهم و ينهب ثرواتهم.
3- دخول المرأة الشبه عارية الى اماكن العبادة لحساسيتها الاخلاقية الدينبة و الغريزية المباشرة

ثالثا: طلبنا ان نقول الحق و لو كان مرا او على انفسنا (لا نخشى أي تهم لا بالتمذهب و لا بالموالاة او المحاباة )

مــصطـــاف بــبلد مـصـــطــفى

بقلم: مســــعود جبــــارة
جويلية-2009

(1) مؤتمر
احتضنت عاصمة الإمبراطوريات اسطنبول، المؤتمر التاسع عشر لمجلس الإفتاء الأوروبي بحثا لما استجد من قضايا و دراسة ما يوجد لها في الإسلام من حلول، تحت سامي اشراف الرئيس التركي عبد الله غول. انعقد المؤتمر في رابع الحرم شهر رجب، وافتُتح بكلمة أمام المؤتمرين نيابة عن طيب رجب، رئيس وزراء تركيا المنتخب، كلمة ترحيبة نارية قال عنها الشيخ القرضاوي انها حماسية، و لا عجب.



(2) سفينة
بينما كنا نرحل عن الأناضول و نترك وراءنا الجزء الأسياوي من تركيا و أمتدادته في القارة الأوسع على وجه البسيطة على ظهر سفينتنا السياحية كانت سفينة "روح الإنسانية" لكسر الحصار على غزة تنطلق من ميناء جزيرة قبرص الصغيرة.
في نفس الوقت الذي كنا نؤم الجانب الأوروبي و ما يرمز اليه من فضاء للحرية و الديمقراطية، للرفاه و رغد العيش للإنسان و حتى للحيوان، كانت "روح الإنسانية" تطلب شواطيء فلسطين، آخر أرض محتلة على وجه الأرض، حيث غزة المحاصرة، و أين يتكدس مليون و نصف من البشر في نقطة لا تكاد ترى على الخريطة، يجوَّعون من العدو و الصديق، على مرأى و مسمع من العالم كله، البعيد و القريب.
كنا نتبع خط الطول شمال جنوب في مضيق البسفور و الدردانيل و كذلك فعلت سفينة "روح الإنسانية".
انطلقت تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط بأقصى سرعة، تسابق الزمن بل تسابق العدو الذي يردِّد إنذاراته و تهديداته بالقصف و الإغراق بينما كانت سفينتنا السياحية تبحر بين مواني القارتين, تتبختر و تتهادى بين ضفة و أخرى، لتهدي للمسافرين فرصة الإستمتاع بأجمل المناظر الطبيعية الخلابة.
كانت "روح الإنسانية" محملة بما جادت به أنفس الخيرين من كل جنس ومن كل دين، لكن ركابها من نشطاء غزة الحرة أصبحوا يتوجسون و يترقبون إذ يعلمون أن وراءهم ظالم يأخذ كل سفينة غصبا، بينما كان الركاب هنا يترشفون الشاي أو القهوة التركية و يتبادلون الكامرات لأخذ الصور مع هذا المعْلم التاريخي أو ذاك.

(3) إنقاذ
لاحظ ركاب سفينتنا غريقا ترفعه الأمواج ثم ترمي به الى أسفل. إقتربنا منه أكثر فإذا برجل كان كلما طفا فوق الماء رفع عقيرته بالصياح طلبا للنجدة حتى اجتمعت حوله ثلاث سفن و تم إنقاذه من الهلاك.
بينما كان الركاب هناك يتحدُّون أوامر القراصنة الصهاينة رغم اشهار السلاح و التهديد بالذخيرة الحية و الزوارق الحربية السريعة في مهمة إنسانية نادرة هذه الأيام تضامنا مع غزة ثم يقعون رهائن و مساجين لدى العدو فمن لإنقاذهم و متى إنقاذ كل فلسطين و الفلسطيين الغرقى في الخلافات؟